فخر الدين الرازي
400
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
علم أن شرب الخمر مفسدة لهم في ذلك الزمان ، وعلم أنه ما كان مفسدة للذين كانوا قبل هذه الأمة فهذا تمام الكلام في هذا الباب . المسألة الثالثة : في حقيقة الميسر فنقول : الميسر القمار ، مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما ، يقال يسرته إذا قمرته ، واختلفوا في اشتقاقه على وجوه أحدها : قال مقاتل : اشتقاقه من اليسر لأنه أخذ لمال الرجل بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب ، كانوا يقولون : يسروا لنا ثمن الجزور ، أو من اليسار لأنه سبب يساره ، وعن ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يخاطر على أهله وماله وثانيها : قال ابن قتيبة : الميسر من التجزئة والاقتسام ، يقال : يسروا الشيء ، أي اقتسموه ، فالجزور نفسه يسمى ميسرا لأنه يجزأ أجزاء ، فكأنه موضع التجزئة ، والياسر الجازر ، لأنه يجزئ لحم الجزور ، ثم يقال لضاربين بالقدح والمتقاربين على الجزور : إنهم يأسرون لأنهم بسبب ذلك الفعل يجزءون لحم الجزور وثالثها : قال الواحدي : إنه من قولهم : يسر لي هذا الشيء ييسر يسرا وميسرا إذا وجب ، والياسر الواجب بسبب القداح ، هذا هو الكلام في اشتقاق هذه اللفظة . وأما صفة الميسر فقال صاحب « الكشاف » : كانت لهم عشرة قداح ، وهي الأزلام والأقلام الفذ ، والتوأم ، والرقيب ، والحلس ، بفتح الحاء وكسر اللام ، وقيل بكسر الحاء وسكون اللام ، والمسبل ، والمعلى ، والنافس ، والمنيح ، والسفيح ، والوغد ، لكل واحد منها نصيب معلوم من جزور ينحرونها ويجزؤونها عشرة أجزاء ، وقيل : ثمانية وعشرين جزءا إلا ثلاثة ، وهي : المنيح والسفيح ، والوعد ، ولبعضهم في هذا المعنى شعر : لي في الدنيا سهام * ليس فيهن ربيح وأساميهن وغد * وسفيح ومنيح فللفذ سهم ، وللتوأم سهمان ، وللرقيب ثلاثة ، وللحلس أربعة ، وللنافس خمسة ، وللمسبل / ستة ، وللمعلى سبعة ، يجعلونها في الربابة ، وهي الخريطة ويضعونها على يد عدل ، ثم يجلجلها ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا منها فمن خرج له قدح من ذوات الأنصباء أخذ النصب الموسوم به ذلك القدح ، ومن خرج له قدح لا نصيب له لم يأخذ شيئا ، وغرم ثمن الجزور كله ، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء ، ولا يأكلون منها ، ويفتخرون بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ويسمونه البرم . المسألة الرابعة : اختلفوا في أن الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين ، أو هو اسم لجميع أنواع القمار ، روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إياكم وهاتين الكعبتين فإنهما من ميسر العجم » وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء : كل شيء فيه خطر فهو من الميسر ، حتى لعب الصبيان بالجوز ، وأما الشطرنج فروي عن علي عليه السلام أنه قال : النرد والشطرنج من الميسر ، وقال الشافعي رضي اللّه عنه : إذا خلا الشطرنج عن الرهان ، واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان ، لم يكن حراما ، وهو خارج عن الميسر ، لأن الميسر ما يوجب دفع المال ، أو أخذ مال ، وهذا ليس كذلك ، فلا يكون قمارا ولا ميسرا ، واللّه أعلم ، أما السبق في الخف والحافر فبالاتفاق ليس من الميسر ، وشرحه مذكور في كتاب السبق والرمي من كتب الفقه . المسألة الخامسة : الإثم الكبير ، فيه أمور أحدها : أن عقل الإنسان أشرف صفاته ، والخمر عدو العقل ، وكل ما كان عدو الأشرف فهو أخس ، فيلزم أن يكون شرب الخمر أخس الأمور ، وتقريره أن العقل إنما سمي